حيدر حب الله

88

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

وبمراجعة المصادر اللغوية لا يبدو أنّ الكفر أو الشرك من الدلالات اللغوية الرئيسة لكلمة « فتنة » ، على خلاف الاختبار ، والبلاء ، والاختلاف ، والحرب ، وربما لهذا عندما ذكر ابن منظور مثل الآية التي نحن فيها نسب تفسير الفتنة بالكفر إلى المفسّرين ، وكأنه لا يجد الأمر لغوياً بحتاً . وانطلاقاً مما أعطتنا إياه مصادر اللغة ، نحتمل جداً - ويلوح من بعضهم - أنّ المفسّرين لم يعتمدوا على معطيات لغوية بحتة في تفسير الفتنة بالكفر في الآية ، بل الذي دعاهم إلى ذلك هو الآية نفسها من حيث اشتمالها بعد ذلك على تعبير : ( وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ) ، إضافةً إلى حضور مفهوم الجهاد الابتدائي في وعي المفسّرين أيضاً ، فهذا الذيل هو الذي عزّز عندهم فرضية الكفر والشرك ، وإلا فكلمة الفتنة في أصلها إذا أعطت هذا المعنى فهو من الدرجة الثانية أو الثالثة ، ولهذا لم يبدأ أيّ من اللغويين - بحسب تتبّعنا - لدى تفسيره جذر كلمة « فتن » بمعنى الكفر والشرك ، مما يشهد - عادةً - على أنّ هذا المعنى يقع مدلولًا للكلمة بدرجة لاحقة ، فيكون بحاجة إلى شواهد حافّة . وفرضية بُعد احتمال إرادة الشرك أو الكفر يُساعدها أن هذا المعنى جاء وليد الثقافة الإسلامية ؛ فعرب الجاهلية المشركون لا يعتبرون الشرك فتنةً ؛ لأنّهم لا ينظرون إليه بمنظار سلبي تختزنه كلمة الفتنة ، وهذا معناه الحاجة إلى حشد شواهد لتكريس هذا المفهوم الديني للكلمة ، لأنه أقرب إلى المصداق منه إلى المفهوم . وإذا تخطينا اللغة ، إلى الاستخدام القرآني لجذر ( ف . ت . ن ) نجد الأمر عينه ، قال تعالى : ( وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ) ( الأنعام : 53 ) ، وقال : ( قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ) ( طه : 85 ) ، وقال : ( وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ) ( طه : 40 ) ، وقال : ( . . . وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي